• Accueil
  • Actualités
  • رحيل محمد بن شريفة عميد الدراسات الأندلسية بالمغرب

Actualités

رحيل محمد بن شريفة عميد الدراسات الأندلسية بالمغرب

 رحيل محمد بن شريفة عميد الدراسات الأندلسية بالمغرب

 تصدق عليه، دون أدنى مبالغة، تلك الصفات التي تطالعنا في مصنفات التراجم والسير القديمة حين يأتي أصحابها على ذكر فضائل أعلام اللغة والأدب

وأقرانهم في حقول  معرفية أخرى كالفلسفة والمنطق والفقه والرياضيات.

من بين  تلك الألقاب والأوصاف، وهي كثيرة حسب قيمة  من تطلق عليه : العالم العلامة ، البحر الفهامة ، النابغة والحجة القطعية، فريد عصره وزمانه ،

الحافظ صاحب القدر المعلى. يستحق، محمد بنشريفة، الأكاديمي المغربي الشامخ الذي رحل أمس الخميس إلى دار البقاء، وشيع إلى مثواه الأخير يومه

الجمعة بالرباط ، عن عمر ناهز السادسة والثمانين حولا ، أمضى أغلبها في التدريس والبحث العلمي، نال عنها وبالنظر لما تركه من أبحاث ودراسات

وأبحاث قيمة غير مسبوقة  في مجال تخصصه  ولقاء كل جهوده ، لقب  عميد الدارسين في ميدان صعب ودقيق لا يجرؤ  عليه إلا الضليع المتمكن من علوم

اللغة والآداب العربية، المتمرس بأصول  تحقيق المخطوطات وفك ألغاز المتون القديمة الكاملة أو المبتورة.

تأتى للراحل بنشريفة وهو من الأعضاء الأوائل   ورئيس لجنة التراث في أكاديمية المملكة المغربية ؛ تكوين متين في علوم اللغة العربية وانكباب موصول

على متونها الكبرى والصغرى . درس أولا في المدارس العتيقة ثم شد الرحال في غضون أربعينيات القرن الماضي إلى  "جامع ابن يوسف" في مدينة

مراكش ،التي ظلت لفترة هي وجامعة القرويين ، منارة علمية ومقصد الراغبين في النهل من معين علوم العرب والمسلمين خلال عصورهم الزاهرة.

وساعده التكوين المتين، في تخطي حواجز كل الامتحانات والمباريات التي اجتازها ، محتلا فيها الرتبة الأولى بين المتبارين ،فانفتح له الباب بيسر

لممارسة مهنة التدريس منذ بداية خمسينيات القرن الماضي في التعليم الأولي (هو من مواليد عام 1932  بنواحي مدينة آسفي المغربية).

سيقوده طموحه ونبوغه الفكري المبكر ، إلى كلية الآداب  بالرباط ؛ وهي يومئذ  نواة  الجامعة المغربية الفتية ؛ ليكون  في طليعة الفوج الأول المتخرج

عام 1960 حاصلا على شهادة الإجازة في الأدب العربي.

سيحافظ بنشريفة على قصب السبق  في نفس الكلية ، بدفاعه في مدرجها بعد سنوات، عن أول  رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا، أمام لجنة مناقشة

منحت بنشريفة درجة الامتياز والتنويه وطبعتها الجامعة.

كانت الأطروحة عن أديب ولغوي مغربي (أبوعميرة المخزومي) غير معروف على نطاق واسع بين  المهتمين بالأدب المغربي ، وهم على العموم قلة

متأثرة بالمدرسة المصرية التي سيتضح لاحقا أنها أهملت عن غير قصد مصادر وكنوز التراث الأندلسي والمغربي.

ولم يكتف بنشريفة باللقب الجامعي الذي ناله من الكلية وفتح له باب التدريس بها ، بل سيحفزه شغفه الفكري للاستزادة من المعرفة خارج بلاده. توجه

إلى مصر أواخر الستينيات وفي ذهنه ، أسماء مرموقة أرست دعائم الدراسات الأندلسية في الجامعة المصرية، أمثال حسين مؤنس. وقع اختياره

على الراحل الدكتور عبد العزيز الأهواني ،مشرفا على أطروحته لنيل  الدكتوراه في موضوع "أمثال العوام في الأندلس".

كان بإمكان الطالب  الأستاذ القادم من المغرب ،أن يشتغل مع أستاذ أخر غير "الأهواني" يسهل عليه عمله ليعود سريعا إلى بلاده  حاملا اللقب ،

غير أنه عثر ، على باحث  عميق ومجدد منفتح على حقول معرفية أخرى تركزت أبحاثه التأسيسية على الثقافة الشعبية في الأندلس  من خلال

تعبيراتها الفنية وخاصة  الشعر الزجلي ، وهواللون  الأدبي الذي ازدهر في الأندلس ومنها سينتقل  إلى المغرب مع الموسيقى باسم آخر هو " الملحون".

ولم تكن قراءة متون الزجل بالأمر الهين، وليست متاحة لكل  الباحثين ،إذ يلزم الخائض فيها إلمام عميق بعلوم اللغة وأسرارها وبلاغتها وطرق انتقالها

عبر القناة الشفاهية فتسمى دارجة أو عامية  في البيئات والأماكن التي استوطنتها في الأندلس ، وباتت لسان مجتمع هجين تعددي ، اختلط فيه العرب والبربر

والنصارى واليهود في بوتقة حضارية متوافقة. امتزجت لغات الأقوام والأعراق وتنوعت أساليب تعبيرهم في بلاد ازدهرت فيها الفنون والموسيقى ورغد

العيش؛ و كثر الزجالون وبرز بينهم كثيرون مثل "ابن قزمان" الذي خصه الأهواني بدراسات تأسيسية يشبه الزجل الذي يتطلب ذائقة  شعرية ومعرفة

بظلال المعاني في العامية ؛  يشبه في قاموسه " الأمثال" التي تختزل  حكمة الناس وتجاربهم في الحياة.

بذل بنشريفة في صمت وتواضع ، جهدا مضنيا  في التعريف بمبنى ومعنى الأمثال العامية في الأندلس ،انطلاقا من تحقيق مصنف وجامعها  "الزجالي".

 أدرك أن التحقيق والتمحيص يستوجب تمكن الباحث من معارف ومستويات لغوية  تتداخل في صياغة الأمثال ؛إذ أنها عدا  كونها لونا  ثقافيا عربيا أصيلا،

فإنها تضمر مؤثرات أجنبية ومحلية ؛ وهي في الوقع الأندلسي ، اللغة الإسبانية التي تسللت، نتيجة الاختلاط، إلى بنية الأمثال العامية  وتصير جزءا منها ؛

ما يعني أن فك شفرتها يتطلب تمكنا من الإسبانية القديمة ، ليضبط الباحث الغريب فيها ويميز الأصيل من الدخيل الذي طبع أمثال العوام  في الأندلس ،

ما يسهل المقارنات وتفكيك بنية المثل. والحقيقة أن ذلك التحقيق المرفق  بالدراسة، صار مرجعا للدارسين ، وأهل بنشريفة لنيل جائزة الملك فيصل العالمية

في الأدب العربي ، مناصفة مع باحث مصري جليل هو الدكتور محمود علي مكي ، المتخصص فيالدراسات الأندلسية.

لا يشكل التحقيق الرائد" لأمثال العوام في الأندلس" إلا جانبا من مسار أكاديمي زاخر للفقيد بنشريفة ؛ فقد توالت أبحاثه وتحقيقاته ومراجعاته للعديد

من المصادر في الثقافة الأندلسية المغربية ، مقتحما القضايا الصعبة التي يهابها كثير من الدارسين.

كان له إسهام علمي كبير، شهد له به  زملاؤه في مناسبات ،  أمثال الراحلين الكبار : محمود علي مكي وإحسان عباس فضلا عن " الاهواني " أستاذه

المشرف ، دعك من اللجنة التي كافأته بجائزة الملك فيصل العالمية وباحثون إسبان مثل المستعرب القدير ،فيديريكو كوريينطي.

ويعد بنشريفة ، جوهرة في عقد فريد من الدارسين المغاربة ، آلوا على أنفسهم  أن ينفضوا  غبار الإهمال عن التراث الثقافي لبلادهم ، بالتنقيب عنه وتتبعه

في المخطوطات النائمة في رفوف الخزانات. في طليعة جيل الباحثين ، يأتي الجهد التأسيسي الذي قام به العلامة عبد الله كنون ، الذي دافع ونافح أمام

الدارسين المشارقة بأن بني قومه حققوا نبوغا في الآداب والمعارف واللغوية  وفي الفلسفة والتاريخ والفقه وحتى الصنائع والحرف  في العدوتين المغرب

والأندلس ، متفوقين  أحيانا على أشقائهم. يشار ، في هذا السياق ، إلى  دارسين ومحققين مغاربة أمثال الراحل  محمد بنتاويت التطواني  وعباس الجراري

 المستشار الحالي للعاهل المغربي . جميعهم أسهموا بنصيبهم وجهدهم في تطوير الأبحاث في التراث  الثقافي الأندلسي المغربي. ما هذه إلا لمح قليلة من

حياة أخلصت للعلم ، تاركة الذكر الحسن والقدوة للأجيال القادمة.

رحم الله الإنسان المتواضع الدمث الأخلاق ، فقيد المغرب  محمد بنشريفة.

 

الكاتب :